أبي الخير الإشبيلي

28

عمدة الطبيب في معرفة النبات

فأمكنه بذلك تبيّن اختلاف الأجناس والأنواع وتصحيح ما وقع فيه غيره من وهم وخطأ . خامسا : يتجلى في كتاب « عمدة الطبيب » اهتمام مؤلفه بمسائل الفلاحة والغراسة ومعالجة كثير من شؤونهما مما يدلّ على خبرته واشتغاله بأمور الزراعة وقيامه بتجارب في هذا الميدان . سادسا : كان المؤلف سبّاقا إلى اصطناع نظام جديد لتصنيف النبات وتجنيسه ، وهو نظام استنبطه من معاينته لأوجه « المشابهة والمشاكلة » - حسب عبارته - الموجودة بين الأجناس والأنواع المتقاربة ، وهو بذلك أول عالم نبات يستنبط نسقا للتصنيف في هذا العلم ، يشير إليه صراحة في صلب كتابه ، وهو بذلك قد سبق غيره من العلماء في الشرق والغرب ، ذلك أن أول محاولة في هذا الميدان لم تعرف إلّا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي على يد أندريا سيسالبينو الإيطالي في « كتاب الأعشاب » الذي ظهر عام 1583 م ، ونهج فيه المؤلف طريقة التحليل المورفولوجي لأجزاء النبات وتوصل إلى تعيين فصائل تطابق تنوّع تلك الأجزاء . سابعا : أدرج مؤلف « عمدة الطبيب » في كتابه عددا كبيرا من ألفاظ اللغة التي لها صلة بالنبات وأحواله وأجزائه . ثامنا : اتّبع المؤلف في وصف النبات أسلوبا يتميز بالوضوح والإيجاز والدقة وتجنّب الحشو المؤدي إلى الخروج عن موضوع التأليف إلّا فيما قلّ وندر ، وأسلوبه يدلّ على امتلاكه لناصية اللغة العربية ومعرفته لمظانها ومصادرها في العلم الذي اختصّ به ، فضلا عن حسن استعماله للألفاظ والمصطلحات المتعلّقة بالنبات والزراعة وأحوال العشب والشجر وأوجه استعمال ما تجود به من زهور وبذور وأصول وصموغ وما إلى ذلك . وسيلاحظ القارئ لهذا الكتاب أن الأسماء الإسبانية للنباتات كانت مألوفة ومتداولة بين أهل الأندلس الذين كانوا مع ذلك يستعملون بعض الأسماء العربية بصيغة التصغير الإسبانية من أمثال : عروساله ( تصغير عروسة ) ، وبطخياله ( تصغير بطيخ ) ، وما شابه هذا ؛ كما شاع بين النباتيين الأندلسيين استعمال مصطلحات أجنبية مثل التمنس وأصله من اليونانية thamnos - كما يؤكّد أسين بلاثيوس - ويريدون به الشجيرة ، وكلمة راءا الذي يراد به كل حب له غلافان كالشعير ونحوه . منهج المؤلف ننتقل الآن إلى الكلام على منهج المؤلف في ترتيب مواد الكتاب وطريقته في تفسير النباتات وبيان ماهيتها .